ما هي البيروقراطية ؟

20

البيروقراطية

Bureaucracy

 

ترجع أصول هذه الكلمة إلى اللغة الألمانية، وتتكون من شقين: هما Bureau وتعني مكتب، وCracy وتعني حكم، والكلمة في مجملها تعني “حكم المكتب”. وفي العام 1798، عرّف قاموس الأكاديمية الفرنسية “البيروقراطية” بأنها: “القوة والنفوذ اللذان يمارسهما رؤساء الحكومة وموظفو الهيئات الحكومية”. ومع بداية القرن التاسع عشر ظهرت ثلاثة معاني للبيروقراطية:

الأول: ينظر إليها بوصفها أسلوباً في الحكم والإدارة، يمكن مقارنتها بالملكية والديموقراطية والأرستقراطية.

الثاني: يركز على شكل معين من البيروقراطية بأنها السلطة والقوة، التي تُمنح للأقسام الحكومية وفروعها وتمارسها على المواطنين.

أما الثالث والأخير: فيميل إلى إبراز مخاطر البيروقراطية أسلوباً إدارياً عقيماً.

والجدير بالذكر أن مفهوم البيروقراطية ـ بشكله العلمي السليم ـ يتمثل في أنه تنظيم تتحكم في بنيته وفي العمليات التي يقوم بها القواعد المدونة إلى حد كبير. ويتمثل جوهر هذه القواعد في هرمية المكاتب، أي في أدوار وظيفية محددة تحديداً دقيقاً، وفي أشخاص متفرغين للعمل بأجر مدفوع. وتحدد القواعد الإدارية والقانونية علاقة كل مكتب بغيره من المكاتب، وإدارة الأعمال كل مكتب، وتحدد نظام تجنيد العاملين للبيروقراطية، وأي ترقيات تتم فيما بعد. والتنظيمات التي توجه بهذه الطريقة متميزة تميزاً تاماً عن الأفراد العاملين، كما تعمل على نحو يمكِّن التنبؤ بها تنبؤاً تاماً. والمنطق القائم وراء البنية الأساسية للبيروقراطية هو قيام عملية منضبطة انضباطاً تاماً، خالية من التحيز والارتباط بالأشخاص؛ أي أن البيروقراطية تحُل إدارة الأشياء محل إدارة الأشخاص، بمعنى أنه يصبح لا وجود -في أحسن الأحوال- للبشر بل هي حالات فقط.

والبيروقراطية في مفهوم روبرت ميشيلز لا تعدو أن تكون مجموعة من الموظفين والعمال، الذين يتقاضون أجراً لقاء عملهم، ويخضعون لسيطرة رؤسائهم وقادتهم، وأن الأوليجاركيه (حكم القلة) هي المصير المحتوم الذي ستنتهي إليه البيروقراطية. وقد أدى هذا التصور للبيروقراطية إلى الإشارة إلى فكرة إساءة استعمال القوة، وبسبب أن أعضاء التنظيم البيروقراطي لديهم قدر من القوة يتعدى النطاق المحدود لوظائفهم الرسمية.

ويُدين مفهوم البيروقراطية بالكثير لماكس فيبر، الذي تناوله في ضوء مفهوم السلطة أو القوة. هذه السلطة تفترض في التنظيم البيروقراطي الرشيد وجود مجموعة من المعايير الاجتماعية تتولى تنظيم السلوك تنظيماً رشيداً، بحيث يتمكن هذا السلوك من تحقيق أهداف محددة. ومن ثم فالطاعة في هذا النمط من السلطة لا تكون لشخص بعينه، وإنما لمجموعة من المبادئ الموضوعية، التي تفرض إتباع التوجيهات والأوامر التي يصدرها الرئيس، بغض النظر عن شخصية هذا الرئيس. وقد ذهب فيبر إلى أن أهم ما يميز التنظيم البيروقراطي هو وجود قواعد محددة موضوعية، تحدد بطريقة رشيدة التسلسل الرئاسي، إضافة إلى ما تنظمه من حقوق وواجبات. ومن السمات الأخرى للبيروقراطية، فصل الإدارة عن الملكية؛ فموارد التنظيم ليست ملكاً لأفراده، كما أن وظائفه لا تُباع ولا تُورث، ولا يمكن أن تُضاف إلى الملكية الخاصة.

والواقع أن ماكس فيبر درس البيروقراطية من منظور واسع، وآثار قضايا ترتبط بالديموقراطية والرأسمالية. وقد ذهب إلى أنه على الرغم من وجود التنظيمات البيروقراطية في بعض المجتمعات القديمة، إلا أنها لم تحقق تقدماً ملحوظاً إلا بظهور الدولة الحديثة، وأن هذه التنظيمات غزت المجالات التربوية والاقتصادية في عالمنا المعاصر. وأدى ذلك إلى ظهور المركزية والقواعد الرشيدة التي تهدف إلى تحقيق أقصى درجات الفاعلية، ما فرض قيوداً حادة على حرية الفرد التلقائية.

ومن خلال القضايا والمفاهيم التي استند إليها فيبر، يمكن تناول نموذجه المثالي للتنظيم البيروقراطي. يرى فيبر أن نشاطات ووظائف التنظيم البيروقراطي تتوزع على الأوضاع الاجتماعية بوصفها نشاطات ووظائف رسمية. وهذا يعني أن ثمة تقسيم عمل محدد وواضح، يسمح بوجود درجة عالية من التخصص. يؤدي هذا التخصص إلى زيادة الخبرة والمعرفة الفنية بين أفراد التنظيم البيروقراطي، وفقاً للخصائص الآتية:

  1. تتوزع أعمال التنظيم بوصفها واجبات رسمية، ويؤدي ذلك إلى زيادة تقسيم العمل بدرجة ملحوظة ومستوى عالٍ من التخصص يعتمد على الخبرة الفنية لأعضاء التنظيم بطريقة مباشرة.
  2. تتمايز الأوضاع أو الوظائف بما لها من تنظيم في بناء سلطة متدرجة، ويتخذ هذا البناء شكلاً هرمياً يجعل كل موظف مسؤولاً عن مساعديه وعما يتخذه من قرارات. ويتحدد نطاق سلطة الرؤساء على المرؤوسين وفقاً لقواعد محددة وواضحة تماماً.
  3. وجود نظام رسمي للقواعد يحكم الأفعال والقرارات، ويحقق الاستمرار في العمل، والتنسيق بين أنشطة الأعضاء.
  4. اتجاه غير شخصي يحكم علاقات العاملين مع بعضهم أو مع العملاء في نطاق العمل، كما يُنظر إلى العملاء بوصفهم حالات. وتتخذ المسافة الاجتماعية بين المستويات المتدرجة وبين الموظفين والعملاء طابعاً رسمياً.
  5. يعتمد التعيين على المهارات الفنية وعلى التعليم الرسمي، أكثر من اعتماده على الارتباطات السياسية والأسرية. ويتحدد على هذا الأساس الموضوعي فرص التقدم في العمل، وفقاً للأقدمية أو الإنجاز أو كليهما معاً.
  6. فصل الإدارة عن الملكية (التي تُقدم إليهم في شكل نقود أو أدوات). إن العاملين في التنظيم لا يمتلكون وسائل العمل والإنتاج، وهم مسؤولون عن تبرير استهلاكها؛ ومن ثم فلا بد من الفصل التام بين ممتلكات التنظيم والمتعلقات الشخصية لشاغل الوظيفة.
  7. ليس هناك حق لأي شخص في التنظيم في امتلاك المنصب الرسمي ولا في تملك المكتب وما فيه، كما أن تولي الوظائف لا يقوم على نظام وراثي أو انتخابي.
  8. جميع الإجراءات الإدارية والقواعد والقرارات توضع وتثبت كتابة، ومن مجموع المستندات المكتوبة وتنظيم الوظائف الرسمية القائمة يكون ما يُسمى “بالمكتب” شخص معنوي، وهو محور العمل المشترك في العصر الحديث.

يرتكز النموذج المثالي للبيروقراطية على عدة محاور، أهمها وجود درجة عالية من التخصص، وبناء رئاسي للسلطة ينطوي على نطاق محدد للمسؤولية، ونسق رسمي للعلاقات بين أعضاء التنظيم. وتحدد العضوية وفقاً للمقدرة والخبرة الفنية، والفصل بين الدخل الخاص والمرتب الذي يحصل عليه الفرد بصورة رسمية. هذه هي الخصائص والسّمات التي ضمّنها فيبر نموذجه المثالي للبيروقراطية، وهي سمات وخصائص تزيد من فرص اتخاذ قرارات رشيدة تزيد من الكفاية الإدارية، التي هي الهدف الأسمى للتنظيم البيروقراطي. فالإدارة البيروقراطية تُعني، أولاً وقبل كل شيء، بممارسة الضبط على أساس العلم والمعرفة، وهذا ما يجعلها إدارة رشيدة وعقلانية.

وبناءً على ذلك ارتبط معنى البيروقراطية بأنها تمثل تنظيماً رشيداً عقلانياً، ما دفع بعض الدارسين للكشف عن العلاقة بين فكرة الترشيد، كما عبّر عنها ماكس فيبر، والخصائص التي يتضمنها نموذجه المثالي للبيروقراطية. فقد رأى بيتر بلاو –مثلاً- أنه من المفضل تعريف البيروقراطية بوصفها تنظيماً رشيداً يؤدي إلى زيادة الفعالية الإدارية. واستطرد بلاو قائلاً إنه بالإمكان الحكم على مدى رشد الإدارة في ضوء قدرتها على التحقيق المستمر للأهداف التنظيمية.

وعلى الرغم من أن المفهوم يُعد واحداً من النماذج المثالية، التي عرضها فيبر للتنظيم الفعال الرشيد ـ شارحاً السمات المميزة لكل من العاملين والمواقع الوظيفية التي يشغلونها ـ فإن المفهوم ينطوي على أكثر من هذا بكثير. لا تظهر القيمة الكاملة للمفهوم من خلال النظر إلى البيروقراطية بوصفها نتاجاً لعملية الترشيد التي سادت المجتمع فقط، وإنما أيضاً من خلال النظر إليها في ضوء الديموقراطية والهيمنة. فالهيمنة، أو الممارسة المشروعة والمؤسسية للسلطة، تتطلب نوعاً من الإدارة، ومن ثم أدواراً للموظفين الذين يحتلون موقعاً وسطاً بين القائد والقاعدة الانتخابية في إطار النظم الديموقراطية. وتنشأ البيروقراطية عندما يكون تبرير المشروعية مستنداً إلى تبرير قانوني رشيد، يؤكد على الطابع اللاشخصي لممارسة السلطة والقوة، بالاستناد إلى قواعد تنظيمية رشيدة ـ مثل تدرج الوظائف، وقنوات الاتصال، واستخدام الملفات، والسرية ـ والتحديد الواضح لمجالات ممارسة السلطة التي تحددها القواعد العامة وتحكمها التعليمات.

غير أن المشكلة التي يمكن أن تُثار هنا تتعلق بطبيعة القواعد والتعليمات ووظيفتها في الحياة الاجتماعية. فمن الحقائق الثابتة أن البيروقراطية لا تطبق نفسها بنفسها، وإنما يطبقها موظفون يقومون بتفسير معناها وتقييم ملاءمتها للمواقف الفعلية. بمعنى أن على الموظفين أن يصدروا أحكاماً عند ممارستهم لأدوارهم. وهذا يتضمن عناصر قيمية مهمة، ما يصعب معه وجود موظفين أو إداريين محايدين، أو أن يكون تطبيق القواعد تطبيقاً حرفياً حتى يمكن تجنب سوء استخدام السلطة.

البيروقراطية مفهوم اجتماعي وسياسي وإداري ذو وجهين:

  • وجه يعبّر عن الكفاية والموضوعية والدقة وتحقيق الأهداف التنظيمية.
  • والوجه الآخر يعبر عن الروتين وبطء الإجراءات الإدارية وسيطرة العلاقات الشخصية.

والتمييز بين هذين الوجهين يمكننا من النظر إلى البيروقراطية نظرة موضوعية حيادية، نستطيع بها تحليل أبعادها، والكشف عن التأثير الذي تمارسه في مجتمعاتنا الحديثة.

 

المصدر